الشيخ محمد رشيد رضا
185
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وأنفسهن لا الفجور المراد به سفح الماء جهرا ولا سرا . وسيأتي بيان ما هو الاحتياط وبحث اختلاف الزمان في المسألة . والتعبير بقوله « الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ » إنشاء لحلها العام الدائم كما تقدم ، ولكنه لم يقل مثل ذلك فيما بعده بل قال « أُحِلَّ لَكُمُ » وهو خبر مقرر للأصل في المسألتين - مسألة مؤاكلة أهل الكتاب ومسألة نكاح نسائهم - فلم يكن شيئا منهما محرما من قبل وأحل في ذلك اليوم لا بتحريم من اللّه ولا بتحريم الناس على أنفسهم كما حرموا بعض الطيبات . فهذا ما ظهر لنا من نكتة اختلاف التعبير وسكت عنه الباحثون في نكت البلاغة الذين اطلعنا على كلامهم . وحكمة النص على هذا الحل قطع الطريق على الغلاة ان يحرموه باجتهادهم أو أهوائهم ، على أن منهم من حرمه مع النص الصريح ، ونص على أن طعامنا حل لهم دون نسائنا فليس لنا ان نزوجهم منا ، لأن كمال الاسلام وسماحته لا يظهران من المرأة لسلطان الرجل عليها ، هذا هو المتبادر لمن يفهم العبارة مجردا من تقاليد المذاهب ، فمن فهم مثل فهمنا ففهمه حاكم عليه ، ولا نجيز لأحد ان يقلدنا فيه تقليدا ( فصل في طعام الوثنيين ونكاح نسائهم ) أخذ الجماهير من مفهوم أهل الكتاب ان طعام الوثنيين لا يحل للمسلمين وكذا نكاح نسائهم ، سواء منهم من يحتج بمفهوم المخالفة في اللقب كالدقاق وبعض الشافعية ومن لا يحتج به وهم الجمهور . والقرآن لم يحرم طعام الوثنيين ، ولا طعام مشركي العرب مطلقا كما حرم نكاح نسائهم بل حرم ما أهل به لغير اللّه من ذبائحهم كما حرم ما كان يأكله بعضهم من الميتة والدم المسفوح وحرم لحم الخنزير . واختلف الفقهاء في المجوس والصابئين فالصابئون عند أبي حنيفة كأهل الكتاب ، والمجوس كذلك عند أبي ثور خلافا للجمهور الذين يقولون انهم يعاملون معاملة أهل الكتاب في أخذ الجزية فقط ، ويروون في ذلك حديثا « سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم » ولا يصح هذا الاستثناء كما صرح به المحدثون ولكنه اشتهر عند الفقهاء ، ويقال إن الفريقين كانا أهل كتاب فقدوه بطول الأمد وهذا ما كنت أعتقده قبل أن أرى فيه نقلا عن أحد من سلفنا وعلماء الملل والتاريخ « تفسير القرآن » « 24 » « الجزء السادس »